أحمد مصطفى المراغي
5
تفسير المراغي
( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ) أي منهم من فضله اللّه بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام ، كما قال تعالى في سورة النساء « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » وفي سورة الأعراف « وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ » وفي الآية بعدها « قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي » ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) أي ومنهم من رفعه اللّه على غيره من الرسل بمراتب متباعدة في الكمال والشرف ، والمراد به محمد صلى اللّه عليه وسلم كما رواه ابن جرير عن مجاهد ، ويؤيده السياق أيضا ، فإن الكلام في بيان العبرة للأمم التي تتبع الرسل ، والتشنيع عليهم في اختلافهم واقتتالهم ، مع أن دينهم واحد في جوهره ، والموجود من هذه الأمم اليهود والنصارى والمسلمون ، فالمناسب تخصيص رسلهم بالذكر وقد ذكر موسى أولا وعيسى آخرا ومحمدا في الوسط ، إشعارا بأن شريعته وأمته وسط . ومن هذه الدرجات ما هو خصوصية في أخلاقه الشريفة كما يرشد إلى ذلك قوله في سورة القلم « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » ومنها ما هو في كتابه وشريعته كما يدل على ذلك قوله في فضل القرآن « إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » وقوله : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » . ومنها ما هو في أمته الذين اتبعوه وعضوا على دينه بالنواجذ كما قال : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » . ولو لم يؤت من المعجزات إلا القرآن وحده لكفى به فضلا على سائر ما أوتى الأنبياء ، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات ، وقد روى البخاري أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبىّ من الأنبياء إلا وقد أعطى من الآيات ما آمن